مستشفياتنا بحاجة لزيادة ثقة المريض بالطبيب

0 16

حوار : رانيا الغزاوي

أكد جراح العظام الإماراتي الدكتور المبتعث جابر الخييلي، والذي اشتهر كصاحب سبق طبي عالمي، من خلال العملية الجراحية الأولى على مستوى العالم التي أجراها في باريس في وقت سابق، لاستبدال مفصل كتف لإنسان بالذكاء الاصطناعي والخوذة الناقلة للصورة ثلاثية الأبعاد، بمساعدة فريق جراحي عالمي متعدد، أمام نظر ملايين المشاهدين الذين تابعوا الحدث بالبث المباشر، على ضرورة أن تركز الدولة خلال الفترة الحالية على الابتكار وتقنيات الذكاء الاصطناعي في جميع التخصصات الجراحية، وفتح مجالات أكبر للتعاون بين الأطباء والمستشفيات والجامعات في الدولة، ومشاركة الابتكارات بين أكثر من جامعة كما يجري في الخارج، وأن يتم ربط الأبحاث والتجارب التي تجريها الجامعات في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بالجانب الجراحي لكل التخصصات الطبية.
كما أكد في حوار مع «الخليج» على مدى أهمية تعزيز الاحتراف الطبي للأطباء في الدولة كمحترفي كرة القدم في الخارج، ويتحقق ذلك بخلق بيئة عمل متكاملة في مستشفيات الدولة الحكومية وتقديم كافة الدعم المادي والإداري والإعلامي، ومراكز البحث والدراسات المتخصصة، كي لا يضطر الطبيب للسفر للخارج تلبية لطموحه البحثي والعملي ما يشكل خسارة للقطاع الطبي، مشيراً إلى افتقاد تنوع العلاجات الطبية المتعلقة بالتخصصات الدقيقة في عدد من المستشفيات في الدولة، مرجعاً ذلك إلى النقص الكبير في عدد الأطباء في التخصصات الدقيقة بالدولة، كما أن الأطباء المواطنين المتخصصين ما زالوا بحاجة إلى زيادة أعدادهم ومضاعفة خبراتهم لسد الحاجة، وبالتالي تقليل حاجة المرضى للسفر للعلاج في الخارج.
أشار الدكتور الخييلي إلى أحدث التقنيات المعمول بها في الخارج لجراحات العظام أهمها، استخدام الواقع الافتراضي والمعزز في العمليات الجراحية وربطهما بالنظام الملاحي، حيث يساعد الواقع المعزز على تحميل صور الأشعة و بيانات المريض، عبر خوذة تمكن الطبيب من رؤية المريض وبياناته، وتقديم خطوات إرشادية للطبيب لاتخاذ الإجراءات الطبية الدقيقة، ويخلق الطبيب من خلالها تطبيقاً علاجياً بحسب حاجة المريض وبإمكان الأطباء خلال العملية مشاهدة أي معلومات أخرى عن المريض حتى وإن كانوا من دول أخرى، فهذه التقنيات تتيح الحد من الأخطاء البشرية، وتنتقل إلى مستوى من الدقة في تحديد شكل العظام وأماكن الأوتار التي كان يستحيل الوصول إليها، مطالباً بضرورة إدخال زراعة العظام من متبرعين متوفين ضمن البرنامج الوطني لنقل وزراعة الأعضاء البشرية ما يسمح بزراعتها في الدولة، نظراً لأهميتها في إنقاذ حياة مرضى سرطان العظام والحوادث، وتالياً نص الحوار:

أوائل المبتعثين

بداية، حدثنا عن دراستك وكيف تمت رحلة ابتعاثك إلى فرنسا لدراسة جراحة العظام؟

تخرجت في بكالوريوس الطب في جامعة الإمارات عام 2009 وأجريت سنة الامتياز في مستشفى توام، ثم ابتعثت في العام 2012 من قبل القيادة العامة لشرطة أبوظبي إلى فرنسا لدراسة برنامج الاختصاص في جراحة العظام العام، الذي أنهيته وأصبحت اختصاصياً في جراحة العظام والحوادث، وأعتبر وقتها أنا وزميل آخر لي من أوائل الإماراتيين المبتعثين لدراسة جراحة العظام في فرنسا.
والآن أعد برنامج الزمالة في الأطراف العلوية والإصابات الرياضية وتخصصي الكتف والركبة والأطراف العلوية، والذي سأنهيه خلال العام الجاري وأعود إلى الدولة بعدها، وحالياً تستقبل فرنسا سنوياً 10 أطباء من دولة الإمارات في عدة تخصصات منها جراحات التجميل، والأنف والأذن والحنجرة، حيث يتم التركيز على الجراحة بكل أنواعها بشكل كبير.

ما هي الأسباب التي دفعتك إلى دراسة التخصص في الخارج واختيار فرنسا تحديداً؟

ما دفعني وقتها إلى دراسة تخصص جراحة العظام خارج الدولة، أن التخصص كان غير موجود بالدولة ورأيت من ضمن اختياري أن كندا وفرنسا أفضل الدول لهذا التخصص، حيث تحتل فرنسا مرتبة متقدمة بين الدول على مستوى العالم في التدريب الطبي، كونها تتيح حالات جراحية متنوعة أكثر، كما تمكن الطبيب المتدرب من المشاركة بها بنفسه.
وفي حال لمس الأطباء المشرفون كفاءة الطبيب ومهارته، يتم إعطاؤه مهام أكثر كتدريب بقية الطلبة من الفرنسيين، وهذا يصقل مهارات الطبيب ويجعله محط أنظار واهتمام ودعم من المستشفى التي يعمل بها.
ونتيجة لتميزي واجتهادي وبذل الجهد المضاعف، أوكلت إلي مهمة تدريب الطلبة، إضافة إلى تخصيص عيادة مستقلة لي من إدارة المستشفى، لممارسة تخصصي.

تحديات الاغتراب

هل واجهتك تحديات في بداية رحلة الابتعاث؟

بالرغم من الدعم الذي حظينا به كمبتعثين ودور السفارة الإماراتية الكبير الذي قامت به لتسهيل كافة الصعوبات، لكن بالطبع واجهتني تحديات تواجه أي مغترب ترك خلفه أهله ووطنه بحثاً عن هدف كبير، وأول هذه التحديات كانت حاجز اللغة والتغلب عليه، فبطبيعة الحال نشأنا على اللغة العربية والإنجليزية، وكانت اللغة الفرنسية شيئاً جديداً، تطلب مني جهداًَ مضاعفاً لتعلمها وإتقانها، إلى جانب ما تختلف به فرنسا عن دولة الإمارات من حيث النظام الطبي الذي درسته في مرحلة البكالوريوس، حيث تعتمد دولة الإمارات النظام الأمريكي بينما تعتمد فرنسا النظام الكندي، كما أن دوامي طويل وشاق، حيث أعمل لأكثر من 12 ساعة بشكل يومي إضافة إلى نظام المناوبات، ولكن وجود زوجتي وأطفالي الثلاثة كان يهون علي أي عقبة وبدعمهم لي تخطيت كل ذلك.

إنجاز عالمي

حدثنا عن عملية تبديل المفصل الصناعي التي شهدها العالم وتميزت بتقنياتها الحديثة التي استخدمت لأول مرة عبر الواقع المعزز والافتراضي؟

أجريت العملية بمشاركة الجراح الفرنسي الشهير توماس جريجوري بمستشفى ابن سينا شمالي العاصمة الفرنسية باريس في أواخر العام 2017، وكانت أول عملية جراحية في العالم تجرى لاستبدال مفصل كتف لإنسان عبر توظيف الذكاء الاصطناعي فيها، فقد كانت حديث العالم حينها، ما جعلها سبقاً صحياً عالمياً يحسب لدولة الإمارات.
وتم خلالها إجراء جراحة ناجحة لتبديل مفصل صناعي خلال عملية استغرقت ساعة ونصف الساعة، وذلك عبر ارتداء الخوذة الناقلة للصورة ثلاثية الأبعاد، ولا أخفي أنني شعرت وقتها وحتى الأطباء الخمسة الذين شاركوا عن بعد من أمريكا وبريطانيا وكوريا، بنوع من أنواع الضغط النفسي، حيث كانت العملية الأولى من نوعها في العالم لزراعة مفصل كتف لمريض بمساعدة عدة برمجيات من خلال الواقع المعزز، وتم بثها مرئياً ونقلها على الهواء مباشرة، لثلاث قارات في العالم أمام ملايين المشاهدين، وكان كل ما يشغلني وقتها الحفاظ على اسم دولة الإمارات كوني أمثلها في هذا الإنجاز العالمي، لكنها سارت بنجاح مذهل أشادت به جميع الأوساط.

الاحتراف الطبي

في رأيك، ماهي أهم الأمور الواجب التركيز عليها في القطاع الطبي بالدولة للارتقاء به عالمياً؟

توجد عدة نقاط لمستها من خلال تجربتي في الخارج لو تم تطبيقها سيكون النظام الطبي الإماراتي الأفضل عالمياً، أولها التركيز على الابتكار والذكاء الاصطناعي، ففرنسا تقوم اليوم بخلق مراكز ذكاء اصطناعي وتخصص نصف ميزانيتها في القطاع الطبي للابتكار، وإدخال الذكاء الاصطناعي في كل المجالات الطبية، ولدينا وزارة للذكاء الاصطناعي وهي الأولى في العالم، فالدولة لديها اهتمام كبير بوجود الابتكار ما يتطلب التعاون وخلق شراكات استراتيجية بين الأطباء والمستشفيات والجامعات في الدولة، كأن يتم استغلال الأبحاث والتجارب التي تجريها جامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا على أجهزة الروبوت مثلاً، وربطها بالجانب الجراحي لكل التخصصات الطبية، والنقطة الثانية الواجب التركيز عليها هي تعزيز الاحتراف الطبي في الدولة.
فاليوم لدينا نقص في عدد الأطباء المواطنين بشكل عام، وأصحاب الخبرة في التخصصات الدقيقة بشكل خاص، وفي حال وجود طبيب متميز في مجاله يتم التعاقد معه من قبل القطاع الخاص، ومن هنا تأتي ضرورة دعم الاحتراف الطبي، فلو عاملت مستشفيات الدولة الحكومية أطباءها بمزيد من الدعم المادي والاهتمام الإداري والإعلامي كمحترفي كرة القدم، سيكون الطبيب هو المحرك الأساسي بتخصصه في القطاع الحكومي.

مراكز بحثية طبية

ماهي خططك الحالية والمستقبلية التي تنوي القيام بها بعد عودتك إلى أرض الوطن؟

أسعى ضمن مخططاتي الحالية إلى التوسع في استخدامات الواقع الافتراضي والمعزز في العمليات الجراحية وربطهما بالنظام الملاحي، كونها أحدث التقنيات التي توصل لها العلم في مجال الجراحات، فهو يعطي سهولة أكثر في مجالات العلاج حيث يتم تحديد المكان الصحيح ليبدأ الطبيب عمله الجراحي بدقة، بواسطة وضع مجسات على الركبة خلال الجراحة، وربط المجسات بشاشة معينة تخبر الطبيب بكيفية إجراء القص وتثبيت المفصل بالمكان الصحيح.
وأعمل حالياً عن كثب لتطوير الأبحاث النظرية والعملية المتعلقة بهذه التقنيات.
وبمجرد عودتي إلى الوطن خلال العام الجاري، سأحرص بالتعاون مع الجهات المتخصصة على تأسيس مراكز بحثية طبية مشتركة مع الجامعات في الدولة لتنفيذ الابتكارات، ولذلك سأبقى على اتصال بالمستشفيات والجامعات الفرنسية لنقل التجارب الحديثة والابتكارات المتوفرة هناك، وسأعمل على ربطها مع الجامعات في الدولة وتطويرها والإضافة إليها، ويجب أن يكون هذا الدور خاصاً بأي طبيب مغترب يحمل اسم بلده.
وأنا أرى أنه في ظل وجود تعاون مع الجهات البحثية المتقدمة في الخارج، ستكون النتائج أفضل لدعم الابتكارات الوطنية والبحث العلمي.


Original Article

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.